|
في الشهادة والاستشهاد
بقلم :الدكتور طلال ناجي
أجمع علماء الدين واللغة على أن الشهيد من أسماء الله الأمين في شهادته ، وهو الذي لا يغيب عن علمه شيء و الشهيد الحاضر ، والشهادة خبر قاطع عن الحضور و العلم . والشهيد : هو المقتول في سبيل الله ، وفي الحديث :أرواح الشهداء في حواصل طير خضرٍ تعلق من ورق الجنة". والاسم الشهادة واستشهد : قتل شهيداً ، وتشهد : طلب الشهادة ، والشهيد الحي ، أي هو عند ربه حي ، يقول سبحانه وتعالى :(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءً عند ربهم يرزقون ) أي كأن أرواحهم أحضرت دار السلام أحياء ، أرواح غيرهم أخرت ليوم البعث ، وقيل: سمي الشهيد شهيداً لأن الله وملائكته شهود له بالجنة ، وقيل سموا شهداء لأنهم من يستشهد يوم القيامة مع النبي (ص) على الأمم الخالية،جاء في الترتيل : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً . والشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة ، فأفضلهم من قتل في سبيل الله ، ميزوا عن الخلق بالفضل ، وبين الله أنهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ، هذه هي معاني الشهادة و الشهداء كما عرفها العرب . وبعد فأن سبل الشهادة والشهداء في تاريخ كل أمة وشعب ، هو ما يصدق جهاديتهم وكفاحهم في سبيل حريتهم وفي سبيل دينهم الحنيف ، وصفحات الشهادة في تاريخ أمتنا العربية و الإسلامية ، تعبق بأسماء لامعة ممن متعهم الباري عز وجل بالشهادة في سبيل دينه الحنيف وفي سبيل نشر الإسلام في أرجاء المعمورة ، وهذه الصفحات الخالدات لم ولن تنتهي مادام شبح العدوان والظلم والجور مسلطاً على أمتنا ، فلا زال التاريخ المعاصر يخبرنا عن قوافل الشهداء الأماجد الأفاضل ، وإنهم ما قدموا أرواحهم إلا في سبيل الحق وفي سبيل نيل الاستقلال ورد العدوان عن أرضهم وعرضهم ، لا بل عن دينهم الذي أصبح غولاً كما تروج وسائل الدعاية الاستعمارية ، ولتؤجج نار الفتنه ضد الإسلام و المسلمين بغية شن الحروب ضدهم لسلبهم ثراواتهم وإخضاعهم لنفوذها الاستعماري المقيت . إن سجل الشهادة والجهاد في تاريخ كل شعب هو أصدق من يعبر عن الحقيقة التاريخية للشعوب المكافحة في سبيل حريتها وسيادتها ، وصفحات الشهادة في تاريخ أمتنا العربية لم تنته بعد ، فلا زال التاريخ يكتب ولا زالت قوافل الشهادة تترى وتكبر ، وكل المؤشرات تؤكد على أن هذه القوافل مستمرة في اندفاعها حتى تزيل كل أسباب القهر و الظلم . فالشهادة ، كما تؤكد وقائع تاريخنا الحديث حياة لا تعرف الموت ، إنها خلود ، لأن في جوهرها تكمن أسمى معاني التضحية و الفداء . إن قدرنا اليوم ، كما كان منذ فجر التاريخ ، أن ندفع باستمرار ضريبة الحرية خيرة أبنائنا ، فحياة شعبنا العربي الفلسطيني صراع مستمر ضد قوى الاستعمار و الصهيونية ، وكان التصدي والمقاومة والجهاد ، ولازال الدم الذي يربط ويوثق حاضرنا بماضينا وسيستمر في مستقبلنا ، والمحل الأرفع في هذا المقام هو الشهيد . هذا المجاهد ، المكافح ، الذي ينعقد قراره بالتضحية بنفسه في إطار قمة العطاء والنقاء و الانسجام مع متطلبات الحياة الحرة الكريمة . إن هذا العطاء هو العطاء الأعظم و الأنبل لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجودة والجود بالنفس في خضم الصراع العربي – الصهيوني يكتسب قيمة مضاعفة ، لأن التفوق العسكري الصهيوني على العرب مجتمعين يواجه الحراجة و الاختلال حين يتصدى لهذه الآلة الجهنمية مجاهد قرر أن يجود بنفسه ، ففي ظل الاختلال الخطير في ميزان القوى ، تصبح التضحية بالنفس هي الاختيار الصائب الوحيد أمامنا لتعديل هذا الاختلال لصالحنا ، وباختيار الشهادة ندفع غائلة الخطر الصهيوني عن الأهل و الوطن ، ومن هنا فإن الشهادة و الفداء هي سلاح إضافي ماضٍ في مقاومتنا للخطر الصهيوني . من حق التضحيات علينا ، من حق القرابين المقدسة ، من حق نذر الدين والقومية ، أن نحفظ ذكرى شهداء الأمة ، و أن نعني بمائثرهم الخالدة ، هذه المآثر التي تجسد روح الإباء والشمم العربي ،و روح الشهادة الإسلامية النبيلة ، إنها درس بليغ لنا و لأجيالنا المقبلة كيف نقدم أرواحنا فداء في سبيل حقوقنا ومصالحنا الوطنية والقومية ومصالحنا الإسلامية وكرامتنا وشرفنا .علينا أن نذكي باستمرار هذه المآثر ، هذه التضحيات الجمة الطاهرة، لتبقى حية في الوجدان والوعي العربي، إنها تؤكد اعتزاز العربي والمسلم بأرضه و عروبته و دينه الحنيف ، ليؤكد اعتزازنا بالماضي الشريف لأجدادنا و لتكن حافزاً ينير الحمية في حاضرنا ومستقبلنا. من أجل ذلك نقدم سفر الشهادة الجليل هذا لإحياء ومضات وجذوات خوالد في تاريخ جبهتنا المعطاءة في خضم صراعها وكفاحها المرير و المستديم منذ أن انطلقت ضد غزاة وطننا العزيز .فأعز وأغلى رفاقنا ومناضلينا سقطوا شهداء كراماً على درب تحرير الأرض و الإنسان ، وقد بدأت القافلة الكريمة بشهيدنا الأول أبو خالد الأمين .
|